أخر المواضيع

بحث حول البحور الشعرية

 

بحث شامل في البحور الشعرية وعلم العروض

تُعد البحور الشعرية (أو بحور الشعر) الأساس الذي يقوم عليه الشعر العربي الكلاسيكي، وهي الميزان الدقيق الذي يحكم بناء القصيدة.

إنها ليست مجرد أوزان، بل هي النظام الصوتي المعقد الذي يحدد الإيقاع الشعري والنغم الموسيقي الذي يميز الشعر عن النثر. ويُطلق على دراسة هذه الأوزان اسم علم العروض.

إذا كنت مهتماً بفهم أسرار أوزان الشعر وكيفية نظم القصائد وفقاً لقواعد العربية الفصحى الكلاسيكية، فإن إتقان هذا العلم هو خطوتك الأولى والضرورية.

لقد أرسى قواعد علم العروض العظيم الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي وضع نظاماً متكاملاً للتمييز بين البحور الستة عشر.

في هذا البحث الشامل، سنستعرض تاريخ هذه الأوزان، وكيفية التعامل مع التفاعيل أو الأجزاء العروضية، وكيف يمكنك التمييز بين أشهرها مثل بحر الطويل وبحر البسيط.

نظرة عامة على محتوى البحث

سوف تتعمق في فهم العناصر الأساسية التي تشكل الشعر العربي:

    • التعريف المفصّل لـ علم العروض ومؤسسه الخليل بن أحمد الفراهيدي.
    • شرح مبسط لآلية عمل التفاعيل والأركان العروضية التي تبني الإيقاع الشعري.
    • استعراض شامل لـ البحور الستة عشر التي اعتمدها العرب في نظم الشعر.
    • كيفية التمييز العملي بين الأوزان الشعرية المختلفة، مع التركيز على البحور المشهورة مثل بحر الطويل وبحر المديد.

خلاصة النقاط الرئيسية

    • تُعرف البحور الشعرية بأنها أوزان الشعر الأساسية التي وضع قواعدها الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهي الميزان الدقيق لـ الشعر العربي.
    • يُطلق على العلم المختص بدراسة هذه الأوزان اسم علم العروض أو علم أوزان الشعر، وهو المسؤول عن تحديد الإيقاع الشعري والنغم الموسيقي للقصيدة.
    • العدد الإجمالي لـ بحور الشعر هو ستة عشر بحرًا، بعد أن أضاف الأخفش الأوسط بحر المتدارك إلى الخمسة عشر بحرًا الأصلية التي وضعها الخليل.
    • تُبنى هذه البحور على وحدات صوتية إيقاعية تُسمى التفاعيل العروضية، وهي اللبنة الأساسية في عملية النظم الشعري.
    • تُصنّف البحور إلى مجموعات رئيسية (بسيطة ومركبة)، وتختلف في إمكانيات استخدامها، مما يمنح الشاعر مرونة في بناء القصيدة (تام أو مجزوء).

علم العروض: الميزان الدقيق لـ الشعر العربي

علم العروض هو العلم المختص بدراسة أوزان الشعر العربي، ويُعد بمثابة الميزان الدقيق الذي يحمي القصيدة من الكسر أو الاختلال في إيقاعها.

وظيفته الأساسية هي تمكين الدارس من التمييز بين الشعر الموزون (المُنظّم) من الشعر المنثور أو الشعر المكسور الذي لا يلتزم بـ البحور الشعرية المعروفة.

الركيزة الأساسية لهذا العلم تعتمد على النطق واللفظ الفعلي، وليس على الكتابة الإملائية التقليدية.

القاعدة العروضية تنص على أن "ما يُنطق يُكتب عروضياً، وما لا يُنطق لا يُحسب في الأوزان الشعرية"، مما يضمن دقة قياس الإيقاع الشعري والنغم الموسيقي.

نشأة علم العروض ومكتشف البحور الشعرية

تعود نشأة علم العروض إلى منتصف القرن الثاني الهجري، ويُنسب فضل تأسيسه إلى العالم اللغوي والعبقري الفذ الخليل بن أحمد الفراهيدي.

يُروى أن الخليل اكتشف هذه الأنماط الإيقاعية المتكررة في الشعر العربي القديم أثناء استماعه لدقات المطارق في سوق الصفارين بالبصرة.

لم يخترع الخليل هذه البحور، بل قام بـ "استنباط" القوالب التي كان العرب ينظمون عليها شعرهم بالفطرة السليمة، ثم صاغها في قواعد محددة ودقيقة.

جمع الخليل بن أحمد الفراهيدي هذه الأنماط ووضع لها خمسة عشر بحراً شعرياً رئيسياً، مثل البحر الطويل والبحر البسيط والبحر المديد.

إكمال منظومة البحور الشعرية الستة عشر

على الرغم من أن الخليل وضع خمسة عشر بحراً، إلا أن البحور الشعرية المتعارف عليها اليوم في الشعر العربي الكلاسيكي هي ستة عشر بحراً.

أضاف تلميذه، العالم اللغوي الشهير الأخفش الأوسط (سعيد بن مسعدة)، البحر السادس عشر، وهو بحر المتدارك، مستكملاً بذلك منظومة علم العروض.

إن وجود هذا العلم ساهم بشكل حاسم في حفظ الشعر العربي وحمايته من التشويه والكسر مع ضعف السليقة اللغوية لدى الأجيال اللاحقة.

مؤسس علم العروض: الخليل بن أحمد الفراهيدي

يُجمع المؤرخون واللغويون على أن الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت. 175 هـ) هو المؤسس الحقيقي والواضع الأول لعلم العروض، الذي يضبط الإيقاع الشعري.

لم يقتصر إنجاز الخليل على وضع موازين الشعر العربي فحسب، بل يُعد أيضاً واضع أول معجم عربي، وهو "كتاب العين"، مما يبرز مكانته كأحد أعظم علماء اللغة.

إنجاز الخليل: البحور الخمسة عشر والدوائر العروضية

قام الخليل بن أحمد الفراهيدي بوضع الأسس النظرية الدقيقة لأوزان الشعر، حيث استخلص خمسة عشر بحرًا شعريًا من خلال تتبع أوزان القصائد العربية القديمة.

جمع الخليل هذه البحور في إطار منهجي دقيق يُعرف باسم الدوائر العروضية الخمس، وهي التي تشكل الهيكل الأساسي لفهم العلاقات بين البحور الشعرية.

من أشهر هذه البحور التي وضعها الخليل: بحر الطويل، وبحر المديد، وبحر البسيط، والتي تُعد الأكثر استخداماً في الشعر الكلاسيكي.

البحور الستة عشر: إضافة الأخفش الأوسط

لم يكتمل العدد المتفق عليه لـ البحور الشعرية على يد الخليل وحده، حيث كان العدد الذي أثبته الخليل هو خمسة عشر بحرًا.

هنا يأتي دور تلميذه النجيب، الأخفش الأوسط (أبو الحسن سعيد بن مسعدة)، الذي تدارك بحرًا سادس عشر.

أطلق الأخفش على هذا البحر اسم "المتدارك"، لكونه تدارك به ما فات أستاذه الخليل.

وبذلك، استقر العدد النهائي للبحور التي يُنظم عليها الشعر الكلاسيكي على ستة عشر بحرًا، وهي النظام الكامل المعروف اليوم لـ علم العروض.

مكونات البيت الشعري والتفاعيل العروضية

بعد أن تعرفنا على الخليل بن أحمد الفراهيدي مؤسس علم العروض، ننتقل إلى المكونات الأساسية التي يقوم عليها هذا العلم. يتكون البيت الشعري، وهو الوحدة الأساسية في الشعر العربي الكلاسيكي، من شطرين رئيسيين هما: الصدر (الشطر الأول) والعجز (الشطر الثاني).

يُبنى كل شطر من هذه الأبيات على مجموعة من الوحدات الإيقاعية الدقيقة التي تُعرف باسم التفاعيل العروضية.

التفاعيل هي جوهر أوزان الشعر والميزان الذي وضعه الخليل لتحديد الإيقاع الشعري والنغمة الموسيقية للقصيدة.

التفاعيل العشرة الأساسية في علم العروض

تُعد التفاعيل العشرة هي اللبنة الأساسية التي تُبنى منها جميع البحور الشعرية. وهي عبارة عن ترتيبات محددة للحركات والسكنات (الأوتاد والأسباب)، وتنقسم إلى ثمانية أصول واثنتين فرعيتين.

هذه التفاعيل هي التي تحدد بشكل قاطع البحر الشعري الذي تسير عليه القصيدة. فإذا تغيرت صور التفاعيل، تغير معها الوزن والإيقاع بالضرورة.

تُعرف التفاعيل الثمانية الأصول التي لا تُشتق من غيرها، والمستعملة في معظم البحور الشعرية الستة عشر، وهي:

  1. فعولُن
  2. فاعِلُن
  3. مستفعلن
  4. متفاعلن
  5. مفاعيلُن
  6. فاعلاتُن
  7. مفعولاتُ
  8. مفاعلتن

تُستخدم هذه التفاعيل في تراكيب مختلفة لتوليد البحور، مثل استخدام "فعولن مفاعيلن" لتكوين بحر الطويل (The Long Meter)، و "مستفعلن فاعلن" لتكوين بحر البسيط (The Simple Meter).

الزحافات والعلل: مفاتيح التنوع في النظم الشعري

إن التفاعيل الثابتة لا تبقى على حالها دائماً في النظم الشعري. فتبعاً لمكانها في البيت (الحشو، العروض، الضرب)، يمكن أن تصيبها تغييرات تسمى الزحافات والعلل.

هذه التغييرات هي ما يخلق التنوع الهائل في الإيقاعات ضمن أوزان الشعر المعتمدة، وتسمح للشاعر بمرونة كبيرة في صياغة القصيدة.

الزحافات هي تغييرات تطرأ على ثواني الأسباب، وهي غالباً غير لازمة (اختيارية)، بينما العلل هي تغييرات تلزم آخر التفعيلة (العروض أو الضرب) وتكون لازمة في جميع أبيات القصيدة.

تصنيف البحور الشعرية: البحور الستة عشر

بعد أن تعرفنا على التفاعيل العروضية، ننتقل إلى الأوزان التي تتكون منها القصيدة. قام الخليل بن أحمد الفراهيدي بتصنيف خمسة عشر بحراً شعرياً، ثم أضاف تلميذه الأخفش الأوسط بحر المتدارك، ليصبح المجموع البحور الستة عشر.

تُقسم هذه البحور في علم العروض إلى فئتين رئيسيتين حسب طبيعة التفاعيل العروضية المكونة لها:

    • البحور الصافية (المفردة): تتكون من تفعيلة واحدة مكررة في جميع أجزاء البيت (مثل: الرجز والكامل).
    • البحور الممزوجة (المركبة): تتكون من تفعيلتين مختلفتين تتناوبان في أجزاء البيت (مثل: الطويل والبسيط).

يوضح الجدول التالي البحور العشرة الأكثر شيوعاً وتفاعيلها الأصلية، والتي تمثل أوزان الشعر الأساسية:

البحرالتفعيلة الأساسيةعدد التفعيلات في الشطر (الأصل)نوع البحر (صافي/ممزوج)
البحر الطويلفعولُن مفاعيلُن4ممزوج (مركب)
البحر المديدفاعلاتُن فاعِلُن4ممزوج (مركب)
البحر البسيطمستفعلن فاعِلُن4ممزوج (مركب)
البحر الوافرمفاعلتن3صافي (مفرد)
البحر الكاملمتفاعلن3صافي (مفرد)
بحر الهزجمفاعيلُن2صافي (مفرد)
بحر الرجزمستفعلن3صافي (مفرد)
بحر الرملفاعلاتُن3صافي (مفرد)
بحر المتقاربفعولُن4صافي (مفرد)
بحر المتداركفاعِلُن4صافي (مفرد)

أهم البحور الشعرية وأكثرها استخداماً في نظم القصيدة

على الرغم من أن علم العروض يضم ستة عشر بحراً، إلا أن ممارسة النظم الشعري (نظم القصيدة) لا تستخدم جميع هذه البحور بنفس القدر في الشعر العربي.

يرى النقاد، مثل الشاعر صفي الدين الحلي، أن البحور تختلف في قدرتها على استيعاب الإيقاع الشعري والتعبير عن العواطف المختلفة.

البحور الثلاثة الأكثر استخداماً وشهرة منذ العصر الجاهلي وحتى العصور الحديثة هي: الطويل، والبسيط، والكامل. وهي تمنح الشاعر مساحة واسعة للتعبير وتتميز بقوتها الإيقاعية.

البحر الطويل: ملك البحور

يُعتبر البحر الطويل ملك البحور، وهو الأكثر استخدامًا في القصائد الفصحى القديمة والحديثة على حد سواء.

وزنه الأصلي هو: فعولُن مفاعيلُن فعولُن مفاعيلُن.

سمي بالطويل لاستيفائه جميع تفعيلاته في شطري البيت الشعري، أو لطول أجزائه، مما يجعله مثالاً قوياً على أوزان الشعر العربي الأصيلة.

البحر البسيط: سهولة النظم وجمالية الإيقاع

كما يوحي اسمه، يتميز البحر البسيط بسهولة النظم عليه والإيقاع الجميل والمناسب للسرد.

وزنه الأصلي هو: مستفعلن فاعِلُن مستفعلن فاعِلُن.

يُعد هذا البحر من البحور المركبة الهامة، ويستخدم بكثرة في الشعر التعليمي والوصفي بفضل مرونته العروضية.

البحر الكامل: كمال الحركات والقوة التعبيرية

يسمى البحر الكامل لأنه يتميز بـ "كمال" حركاته، حيث تتكون تفعيلته (متفاعلن) من سبعة أحرف متحركة، وهو بحر صافي (مفرد).

وزنه الأصلي هو: متفاعلن متفاعلن متفاعلن.

يستخدم هذا البحر عادة في التعبير عن المشاعر القوية والحماس والمدح، وله إيقاع شعري مميز يسهل حفظه.

تطبيقات عملية: كيف يحدد الشاعر الوزن الشعري؟

بعد أن استعرضنا تصنيف البحور الستة عشر التي وضع أسسها الخليل بن أحمد الفراهيدي، يبرز التساؤل: كيف يتم تطبيق هذه الأوزان عملياً أثناء نظم القصائد؟

لطالما اعتمد الشعراء في العصور الكلاسيكية على السليقة اللغوية والفطرة لضبط الإيقاع الشعري دون الحاجة لتقطيع كل بيت.

لكن في العصر الحديث، أصبح إتقان الشعر العربي والتحقق من سلامة أوزان الشعر يتطلب دراسة معمقة لـ علم العروض والتدريب المستمر على التقطيع العروضي.

أساسيات التقطيع العروضي

يُعد التقطيع العروضي الأداة الأساسية في علم العروض، وهو العملية التي تسمح لنا بتحليل البيت الشعري وتحديد وزنه بدقة.

التقطيع هو تحليل البيت إلى وحداته الصوتية (الحركات والسكنات)، والتي تكشف بدورها عن التفاعيل العروضية المستخدمة.

تتم هذه العملية وفقاً للخطوات والمبادئ التالية:

    • قاعدة المنطوق: التقطيع يعتمد على ما يُنطق فعلاً، لا على قواعد الإملاء المكتوبة. فمثلاً، الحرف المضعف يُفك إلى حرفين (ساكن ومتحرك)، وحروف المد والوصل تُعامل معاملة صوتية خاصة.
    • التحليل الصوتي: تحويل البيت إلى رموز صوتية، يرمز للحركة بخط مائل (/) وللسكون بدائرة (ه).
    • تحديد التفاعيل: بعد الترميز، يتم مطابقة هذه الوحدات مع التفاعيل العروضية العشر المعروفة (مثل فاعلن ومستفعلن) لتحديد نمط البحر الشعري.

مرونة الوزن: الزحافات والعلل

على الرغم من أن نظام الخليل بن أحمد الفراهيدي دقيق للغاية، فإن أوزان الشعر ليست جامدة تماماً، بل تتمتع بمرونة تمنحها جمالاً إيقاعياً متجدداً.

تسمح نظرية البحور بحدوث تغييرات طفيفة في التفاعيل العروضية تُعرف باسم الزحافات والعلل. هذا التنوع يحافظ على حيوية الإيقاع الشعري.

الزحافات

الزحافات هي تغييرات تطرأ على التفعيلات الموجودة في حشو البيت (غير الطرفية)، وهي تغييرات غير لازمة، أي يمكن أن تحدث في بيت وتغيب في بيت آخر من نفس القصيدة.

تمنح الزحافات الشاعر مساحة واسعة للتنويع ضمن حدود البحر الشعري الواحد، مما يساهم في ثراء الشعر العربي الكلاسيكي.

العلل

العلل هي تغييرات تلحق بالتفعيلة الأخيرة في الشطر الأول (تسمى العروض) والتفعيلة الأخيرة في الشطر الثاني (تسمى الضرب).

خلافاً للزحافات، فإن العلل لازمة، فإذا حدثت في مطلع القصيدة، وجب التزامها في باقي الأبيات، وهي تلعب دوراً كبيراً في تحديد الفروع الدقيقة للبحور، مثل الفروقات بين بحر الطويل وبحر المديد وبحر البسيط.

بفهم هذه القواعد، يمكن للطالب أو الشاعر أن يضبط نظم القصائد بدقة توازي دقة الميزان الموسيقي.

أعلام تطوير علم العروض: من التأسيس إلى التبسيط

إن تأسيس الخليل بن أحمد الفراهيدي لعلم العروض ووضع أسس البحور الشعرية الستة عشر كان نقطة الانطلاق، لكن الحفاظ على هذا العلم وتطويره اعتمد على جهود علماء وشعراء لاحقين قاموا بتنقيح وتوضيح قواعده المعقدة.

يأتي في مقدمة هؤلاء تلميذه الأخفش الأوسط، الذي يُنسب إليه استكمال أوزان الشعر بإضافة بحر المتدارك، مما رسخ العدد النهائي للبحور التي تحكم الشعر العربي.

من أبرز الأعلام الذين ساهموا في تبسيط علم العروض الشاعر صفي الدين الحلي. اشتهر الحلي بوضع منظومات شعرية سهلة الحفظ لتلخيص قواعد العروض، مما جعل دراسة الإيقاع الشعري أكثر يسراً لطلاب هذا الفن.

كما برزت أسماء أخرى في العصور المتأخرة أسهمت في حفظ هذا التراث وتدريسه، مثل الشيخ عبد الله الشبراوي والشيخ قاسم أفندي المفتي، الذين كتبوا مخطوطات هامة في تحليل القصيدة ونظم البحور.

بفضل جهود هؤلاء الأعلام، استمر علم العروض في كونه الميزان الدقيق الذي يحكم بناء الشعر الكلاسيكي، مما يضمن دقة الوزن الشعري وسلامة التفاعيل.

تأثير البحور الشعرية في تشكيل الإيقاع والموسيقى

يُعد الإيقاع الشعري روح القصيدة، وتلعب البحور الشعرية دور المايسترو الذي يُنظّم هذا الإيقاع. تخيّل القصيدة كنوتة موسيقية متكاملة، حيث تمثل التفاعيل العروضية المقامات والأوزان الأساسية.

إن اختيار الشاعر للبحر هو في الحقيقة اختيار للمزاج الموسيقي لقصيدته. فكل بحر من بحور الشعر الستة عشر يمتلك وزناً خاصاً يؤثر مباشرة على طبيعة الإلقاء.

على سبيل المثال، تميل البحور الطويلة والمركبة، مثل بحر الطويل وبحر البسيط، إلى منح النص فخامة ورصانة، وهي مثالية لأغراض المديح والرثاء.

هذه الأوزان الثقيلة هي ما ميز الشعر العربي الكلاسيكي، إذ تسمح للشاعر بالتعبير عن المعاني العميقة بنَفَس طويل وثابت، وهو جوهر الشعر العربي الفصيح.

في المقابل، تتميز البحور القصيرة الصافية، كبحر الهزج وبحر الرمل، بخفة الإيقاع والسرعة. هذه الخفة تجعلها أنسب لقصائد الغزل والأناشيد الخفيفة التي تحتاج إلى سلاسة وعذوبة في النغم.

يجب أن تدرك أن علم العروض لا يقتصر على مجرد ضبط الوزن، بل هو أداة لاختيار المزاج. وقد أشار علماء كبار مثل صفي الدين الحلي إلى هذه العلاقة الوثيقة بين أوزان الشعر والموضوع العاطفي للنص.

فهم هذه العلاقة بين البحور الشعرية والمحتوى العاطفي هو المفتاح لتقدير جمالية الموسيقى الداخلية في القصيدة العربية.

تصنيف البحور الشعرية: الصافية والمركبة

لفهم البحور الشعرية بشكل أعمق، يجب أن تعرف أن التقسيم الأساسي الذي وضعه الخليل بن أحمد الفراهيدي يعتمد على هيكل الميزان الشعري.

يقوم هذا التصنيف على عدد التفاعيل العروضية المختلفة المستخدمة في بناء البحر الواحد، وينقسم إلى مجموعتين رئيسيتين.

1. البحور الصافية (المفردة)

تُبنى هذه البحور على تكرار تفعيلة واحدة فقط في جميع أجزاء البيت، ولذلك سُميت بالصافية أو المفردة.

هذا النمط يمنحها إيقاعاً منتظماً ومتكرراً، ويجعلها من أسهل الأوزان في النظم والضبط، وهي أساسية في دراسة علم العروض.

أمثلة على البحور الصافية:

    • الكامل: (متفاعلن متفاعلن متفاعلن).
    • الوافر: (مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن).
    • الرجز، والرمل، والهزج، والمتقارب، والمتدارك.

2. البحور المركبة (الممزوجة)

تُبنى هذه البحور على تكرار تفعيلتين مختلفتين بالتناوب في الشطر الواحد، مما يخلق تنوعاً في الإيقاع الشعري.

هذه البحور توفر مرونة موسيقية أكبر للشاعر، ولكنها تتطلب دقة أعلى في التقطيع العروضي وفهم الزحافات والعلل.

أمثلة على البحور المركبة:

    • الطويل: (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن). يُعد الطويل الأكثر شيوعاً في الشعر العربي الكلاسيكي.
    • البسيط: (مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن).
    • المديد، والسريع، والمنسرح، والخفيف، والمضارع، والمقتضب، والمجتث.

خلاصة القول: الأهمية المحورية لعلم العروض والأوزان الشعرية

إن دراسة البحور الشعرية ليست مجرد ترف أكاديمي، بل هي المفتاح الأساسي لفهم عمق وجمالية الشعر العربي الكلاسيكي.

هذا العلم، المعروف باسم علم العروض، هو النظام الدقيق الذي وضعه الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهو ما يمكّنك من تحديد النغم الموسيقي والإيقاع الشعري لكل قصيدة.

فهم الأوزان الشعرية يجعلك تقدر العمل الشاق والمهارة الفائقة التي يبذلها الشاعر لضبط تفاعيله العروضية وضمان سلامة البيت الشعري من الكسر.

إذا كنت تسعى لتكون شاعراً متمكناً، فإن إتقان بحور الشعر الستة عشر يمثل خطوتك الأولى نحو الإبداع الموزون والتمكن الكامل من أدوات اللغة العربية الفصحى.

الأسئلة الشائعة حول علم العروض والبحور الشعرية

ما الفرق الجوهري بين البحر الشعري والتفعيلة العروضية؟

البحر الشعري (Poetic meters) هو الإطار الكلي للوزن، وهو يمثل الميزان العام الذي يحدد الإيقاع الشعري (Poetic rhythm) للقصيدة. أما التفعيلة العروضية (Metrical feet)، فهي الوحدة الإيقاعية الصغرى داخل البحر. إنها اللبنة الأساسية التي تتكون من حركات وسكنات، وترتيب هذه التفاعيل هو ما يحدد نوع البحر.

كم عدد البحور الشعرية التي استنبطها الخليل؟

وضع الخليل بن أحمد الفراهيدي (Al-Khalil ibn Ahmad Al-Farahidi) خمسة عشر بحرًا، وجمعها في خمس دوائر عروضية. أضاف تلميذه الأخفش الأوسط (Al-Akhfash Al-Awsat) البحر السادس عشر، وهو بحر المتدارك، ليصبح المجموع الكلي ستة عشر بحرًا (Sixteen meters) تشكل أساس علم العروض (Arabic prosody).

ما هي أشهر البحور الشعرية استخدامًا في القصيدة العربية؟

يعد البحر الطويل (The Long Meter) هو أشهر البحور وأكثرها شيوعًا في الشعر العربي الكلاسيكي، خاصة في العصور القديمة. يليه في الاستخدام البحر البسيط (The Simple Meter) والبحر الكامل. هذه الأوزان هي التي سيطرت على القصيدة العمودية وكانت مفتاحًا لجمالية الشعر العربي.

هل يمكن كتابة الشعر الحديث أو الحر باستخدام البحور؟

الشعر الحر (أو شعر التفعيلة) لا يلتزم بنظام الشطرين والقافية الموحدة مثل الشعر الكلاسيكي. لكنه يعتمد على تفعيلة واحدة مكررة مأخوذة من البحور الصافية (مثل الكامل أو الرمل أو المتقارب). بمعنى آخر، هو يستخدم جزءاً من قواعد أوزان الشعر (Poetry weights) ولكنه يتحرر من قيود نظام الشطرين.

تعليقات



حجم الخط
+
16
-
تباعد السطور
+
2
-