
أول حرب في التاريخ: صراعات ما قبل تدوين الأحداث
لطالما كان سؤال "ما هي أول حرب في التاريخ؟" يشغل بال المؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا على حد سواء، خاصة عند دراسة صراعات ما قبل التاريخ.
إن الإجابة على هذا السؤال ليست بسيطة، بل تعتمد بشكل كبير على كيفية تعريفنا للحرب نفسها.
هل نبحث عن أول نزاع مسلح محدود بين مجموعتين في المجتمعات القبلية، أم عن أول صراع تنظيمي واسع النطاق يتطلب وجود جيش نظامي؟
في هذا الدليل الشامل، سنستعرض الأدلة الأثرية والنظرية التاريخية لتحديد أصول الحرب، بدءاً من العصر الحجري القديم (Paleolithic Age)، وصولاً إلى نشأة أول جيوش نظامية في حضارات مثل السومريين.
سنركز على الأدلة التي تكشف عن ظاهرة العنف المنظم، مثل موقع جبل الصَّحابة (Jebel Sahaba) وموقع ناتاروك (Nataruk) في كينيا، لفهم كيف تطور الصراع من مجرد عنف فردي إلى حرب منظمة في المجتمعات البشرية المبكرة.
مفهوم الحرب: التمييز بين العنف والصراع المنظم
لفهم أصول الحرب، يجب أولاً على المؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا التمييز بدقة بين العنف الفردي والحرب المنظمة.
العنف الفردي (Severe violence)، كالقتل أو الاعتداء، كان سمة موجودة منذ ظهور أنواع الإنسان المبكرة، بدءاً من الإنسان المنتصب (Homo Erectus) وصولاً إلى الإنسان العاقل (Homo Sapiens).
لكن الحرب (Warfare) تختلف جذرياً، إذ تتطلب نزاعاً مسلحاً واسع النطاق ومستداماً بين مجموعات سياسية متعارضة.
عادةً ما يكون الهدف من هذا النزاع الجماعي هو الاستيلاء على الأراضي أو التنافس على الموارد، أو ممارسة غارات على الجيران.
باختصار، الحرب هي شكل من أشكال الصراع الجماعي المنظم، وليست مجرد جريمة قتل فردية أو حالة عنف عشوائي.
حروب ما قبل التاريخ: الجدل حول العصر الحجري القديم
يشير مصطلح حروب ما قبل التاريخ (Prehistoric warfare) إلى الصراعات التي حدثت قبل اختراع الكتابة وظهور الدول الكبرى، وتحديداً قبل العصر البرونزي وظهور حضارة السومريين.
كانت هذه الصراعات تقع في الغالب بين المجتمعات القبلية أو جماعات الصيادين والجامعين (Hunter gatherer) ذات الكثافة السكانية المنخفضة.
هنا يكمن الجدل الرئيسي بين الباحثين: هل كانت مجتمعات العصر الحجري القديم (Paleolithic Age) مسالمة بطبيعتها، أم أن العنف الجماعي هو سمة متأصلة في المجتمعات البشرية المبكرة؟
يرى بعض علماء الأنثروبولوجيا، مثل ريموند سي. كيلي (Raymond C. Kelly)، أن العنف المنظم لم يظهر إلا مع زيادة الكثافة السكانية وتأسيس المستوطنات الثابتة في العصر الحجري الحديث (Neolithic Age).
في المقابل، تشير الاكتشافات الحديثة لعلماء الآثار إلى وجود أدلة على العنف الشديد (Severe violence) والنزاع المسلح المنظم يعود إلى أواخر العصر الحجري القديم الأعلى (Upper Paleolithic Age)، مما يدعم فكرة أن أصول الحرب أعمق بكثير مما كنا نعتقد.
موقع جبل الصحابة: أقدم دليل أثري على حرب ما قبل التاريخ
لفهم أصول الحرب، يجب علينا تطبيق تعريفنا للصراع المنظم على السجل الأثري. يشير أغلب المؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا إلى موقع واحد بعينه يمثل نقطة تحول في تاريخ العنف البشري.
إن أقدم دليل أثري موثوق به يشير إلى صراع جماعي واسع النطاق يعود إلى نهاية العصر الحجري القديم الأعلى (Upper Paleolithic Age)، أي ما يقرب من 12000 إلى 14000 سنة مضت.
يقع هذا الدليل في موقع جبل الصحابة (Jebel Sahaba) في أقصى شمال السودان الحالي، بالقرب من الحدود المصرية. ويُعد هذا الموقع بمثابة أقدم مقبرة جماعية معروفة تشير إلى مذبحة ما قبل التاريخ.
تفاصيل الصراع المسلح في جبل الصحابة
عندما درس الباحثون رفات موقع جبل الصحابة، اكتشفوا رفات 61 فردًا. اللافت للنظر أن نصف هؤلاء الأفراد تقريباً ماتوا نتيجة عنف شديد وممنهج، وليس نتيجة حوادث فردية.
أظهرت الهياكل العظمية علامات إصابات متعددة، بما في ذلك شظايا رؤوس سهام وحراب حجرية مغروسة في العظام. هذا يؤكد أن الضحايا تعرضوا لهجوم منظم ومستمر، مما يشير بوضوح إلى صراع مسلح.
يشير تحليل الأدوات الأثرية وعلم الأنثروبولوجيا الثقافية إلى أن هذا الصراع القديم كان بين مجموعتين مختلفتين تعيشان في المنطقة، مما يمثل نموذجاً مبكراً لحروب المستوطنات.
تضمنت الأطراف المشاركة في هذا الصراع ما يلي:
- ثقافة قعدان (Qadan Culture): كانت هذه المجموعة من المجتمعات القبلية المستقرة نسبياً، وتعتمد على الصيد والجمع والأسماك والحبوب البرية.
- النطوفيون (Natufians): يُعتقد أنهم كانوا من المجموعات التي هاجرت من الشمال أو الشرق. وقد أدت هذه الهجرة وزيادة الكثافة السكانية إلى اندلاع التنافس على الموارد الحيوية.
جبل الصحابة وتصنيف الصراع في العصر الحجري
بالنسبة للمؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا، يمثل موقع جبل الصحابة دليلاً قوياً على أن الصراع المسلح المنظم بدأ يظهر بقوة في نهاية العصر الحجري القديم، قبل ظهور السومريين أو العصر البرونزي بآلاف السنين.
لذلك، يعتبر هذا الموقع أقرب ما يمكننا الوصول إليه لتحديد "أول حرب" بالمعنى الأثري للمذبحة الجماعية المنظمة التي حدثت بين مجتمعات الصيادين والجامعين (Hunter gatherer societies) بسبب التنافس على الأرض والموارد.
هذا النمط من العنف يختلف جذرياً عن العنف الفردي الذي قد نجده لدى أنواع مثل الإنسان المنتصب (Homo Erectus)، ويشير إلى تطور الحرب في عصور ما قبل التاريخ.
تحول طبيعة الصراع: من الصيادين إلى حروب الاستيطان
بعدما استعرضنا أقدم دليل أثري موثوق به على النزاع المسلح في موقع جبل الصحابة، يصبح السؤال الأهم: كيف تطورت أصول الحرب؟
مع دخول البشرية العصر الحجري الحديث (Neolithic) وبداية الاستقرار والزراعة، تغيرت طبيعة الصراعات جذرياً.
تحول الناس من جماعات الصيادين والجامعين المتنقلة إلى مجتمعات مستقرة ذات كثافة سكانية أعلى، مما مهد الطريق لظهور حروب الاستيطان (Settlement wars).
هذا الاستقرار أدى حتماً إلى زيادة قيمة الأراضي الصالحة للزراعة والمخزون الغذائي، مما زاد من دوافع الإغارة على الجيران والاستيلاء على الأراضي (Seizing land) والتنافس على الموارد.
الصراع في العصر الباليوليثي: هل كان الإنسان المنتصب مسالماً؟
خلال الفترات الأبكر من العصر الباليوليثي (Paleolithic Age)، وتحديداً عندما كان الإنسان المنتصب (Homo Erectus) يتجول في أفريقيا وآسيا، كانت الأدلة على الصراع الجماعي نادرة للغاية.
يعتقد بعض علماء الأنثروبولوجيا (Anthropologists) أن المجتمعات البشرية المبكرة والمشتتة لم تكن لديها القدرة أو الدافع لشن حروب واسعة النطاق، وهو ما تدعمه دراسات الأنثروبولوجيا الثقافية.
لكن مع ظهور الإنسان العاقل (Homo Sapiens) وتطور التقنيات في العصر الباليوليثي الأعلى، ربما تطورت أساليب النزاع المسلح (Armed conflict)، خاصة مع نشأة المجتمعات القبلية (Tribal societies) التي بدأت تستخدم تقنيات الصيد بالكمائن.
لتوضيح هذا التباين، غالباً ما يُشار إلى دراسات ريموند سي. كيلي (Raymond C. Kelly) التي تقارن بين هذه المجتمعات المبكرة وسلوك البوشمن (Bushmen) في صحراء كالاهاري.
أدلة على العنف الشديد في عصور ما قبل التاريخ
على الرغم من النقص النسبي في أدلة الحروب الواسعة خلال العصر الحجري القديم، فإن الاكتشافات الأخيرة تؤكد وجود العنف الشديد (Severe Violence) في فترات ما قبل التاريخ.
بالإضافة إلى موقع جبل الصحابة في السودان (الذي يعود إلى الثقافة القادانية Qadan Culture)، هناك موقع ناتاروك (Nataruk) في منطقة توركانا بكينيا، والذي يعود تاريخه إلى حوالي 10000 سنة، حيث عثر على أدلة على قتل جماعي مروع.
هذه الاكتشافات، التي تقع في الفترة الميزوليثية، تدحض النظرية الرومانسية التي تفترض أن البشرية كانت مسالمة تمامًا قبل ظهور الحضارة.
إن دراسة الحروب في عصور ما قبل التاريخ (Prehistoric warfare) تؤكد أن التنافس على الموارد كان دافعاً أساسياً للنزاع، حتى قبل أن يبدأ العصر البرونزي (The Bronze Age) وظهور الجيوش الدائمة لدى السومريين.
العصر البرونزي وظهور أول الجيوش النظامية
إذا كنا نبحث عن أول حرب بالمعنى السياسي والتنظيمي الحديث، يجب أن ننتقل إلى العصر البرونزي. هذا العصر شهد تحول الصراعات من مجرد نزاعات قبلية (Tribal societies) إلى حروب بين دول مدن منظمة.
في هذه الفترة، ظهرت أولى الحضارات الحضرية الكبرى في بلاد ما بين النهرين (Mesopotamia). أدى الاستقرار وزيادة الكثافة السكانية إلى زيادة التنافس على الموارد، مما استدعى وجود قوة عسكرية دائمة.
هنا، بدأت حروب الاستيطان تأخذ شكل صراعات معقدة ومؤسسية، تختلف جذرياً عن النزاعات في العصر الحجري القديم (Paleolithic Era).
السومريون: أول حرب موثقة بجيش نظامي
تُعتبر حضارة السومريين في بلاد الرافدين، التي ازدهرت حوالي 3500 قبل الميلاد، نقطة التحول الرئيسية في دراسة أصول الحرب (Origins of war).
لقد قدم السومريون أول السجلات المكتوبة وأول الأدلة البصرية على تنظيم جيوشهم، مما يوضح تطور العنف البشري (Severe violence) إلى صراع مسلح منظم (Armed conflict).
أقدم حرب تم توثيقها كتابيًا بشكل واضح هي الصراع بين مدينتي لاغاش وأوما السومريتين، الذي دار حوالي 2700 قبل الميلاد. هذا الحدث يمثل أول نزاع قديم (Ancient conflict) مسجل بالتفصيل.
جسدت "مسلة النسور" تفاصيل هذه المعركة، حيث تُظهر جنود السومريين وهم يسيرون في تشكيلات عسكرية محكمة وشبيهة بالكتائب. هذا التوثيق البصري يؤكد بشكل لا يقبل الجدل وجود جيش نظامي (Standing army) متكامل ومؤسس.
يشدد علماء الأنثروبولوجيا والمؤرخون على أن الانتقال من النزاعات القبلية الصغيرة إلى حروب الدول المدن يشكل خطوة نوعية في تاريخ العنف. لقد تحولت الحرب هنا إلى مؤسسة تابعة للدولة، وليست مجرد رد فعل مؤقت على غزو الجيران (Raiding neighbors) أو السيطرة على الأراضي (Seizing land).
الفارق الجوهري: صراعات العصر الحجري القديم وحروب السومريين المنظمة
إذا كان العصر البرونزي قد قدم لنا أول الجيوش النظامية وحروباً موثقة، فإن فهم أصول الحرب يتطلب منا العودة إلى الوراء، إلى المجتمعات البشرية المبكرة.
يرى المؤرخون وعلماء الأنثروبولوجيا (Anthropologists) أن الصراع المسلح (Armed conflict) في العصر الحجري القديم (Paleolithic Era) كان مختلفاً جذرياً عن حروب السومريين أو مصر القديمة.
يكمن الاختلاف الجوهري في الهيكل الاجتماعي والهدف من القتال، حيث كانت الحروب التاريخية تسعى للهيمنة السياسية، بينما كانت صراعات ما قبل التاريخ تدور حول البقاء والتنافس على الموارد.
لفهم هذا التباين، يجب أن نركز على نماذج المجتمعات القبلية (Tribal societies) التي عاشت كصيادين وجامعين (Hunter gatherer)، مقارنة بدول المدن التي ظهرت في العصر البرونزي.
تُعد دراسة حروب ما قبل التاريخ (Prehistoric warfare) تحدياً كبيراً للمؤرخين، لأنها تعتمد بالكامل على الأدلة المادية. بينما توفر لنا الحضارات اللاحقة، وخاصة السومريون، سجلاً مكتوباً واضحاً يحدد متى وكيف ظهرت أولى أشكال الدولة المحاربة.
إن الانتقال من نزاعات مجتمعات الصيد والجمع إلى جيوش العصر البرونزي يمثل التحول الأهم في تاريخ الصراع البشري.
على سبيل المثال، تُظهر الأدلة في موقع جبل الصحابة في السودان، والذي يعود لحضارة قادان، مستوى عالياً من العنف الشديد (Severe violence) الذي يمكن اعتباره صراعاً مسلحاً مبكراً، لكنه يظل مختلفاً عن مفهوم الحرب المؤسسية.
المنظور الأنثروبولوجي: هل الحرب متأصلة أم مكتسبة؟
لطالما شكل موضوع حروب ما قبل التاريخ (Prehistoric warfare) نقطة خلاف محورية في مجال الأنثروبولوجيا الثقافية.
يتمحور الجدل حول سؤال أساسي: هل الصراع المسلح (Armed conflict) متأصل في طبيعة المجتمعات البشرية المبكرة، أم أنه ظهر كنتيجة للزراعة والاستقرار وارتفاع الكثافة السكانية؟
1. نظرية السلام البدائي (Primitive Peace Theory)
كان بعض الباحثين يعتقدون أن المجتمعات البشرية في العصر الباليوليثي (Paleolithic Era)، مثل جماعات البوشمن في صحراء كالهاري، كانت تعيش في سلام تام.
تشير هذه النظرية إلى أن أصول الحرب (Origins of war) ظهرت فقط عندما أدت الملكية الخاصة وارتفاع الكثافة السكانية إلى التنافس على الموارد (Resource competition).
في هذا المنظور، لم تكن المجتمعات المعتمدة على الصيد والجمع تنخرط في نزاعات جماعية واسعة، بل بدأت حروب المستوطنات مع ظهور الزراعة في الفترة التي سبقت العصر البرونزي.
2. نظرية الحرب المتأصلة (Inherent Warfare Theory)
على الجانب الآخر، يرى باحثون بارزون مثل ريموند سي كيلي (Raymond C. Kelly) أن النزاع كان جزءًا لا يتجزأ من حياة المجتمعات القبلية (Tribal societies).
يشير كيلي إلى أن حتى جماعات الصيادين والجامعين كانت تنخرط في عمليات الإغارة على الجيران والنزاع المسلح بشكل دوري.
بالنسبة لهذه النظرية، فإن الصراع القديم (Ancient conflict) هو سمة بشرية قديمة تعود إلى فترات زمنية أبعد بكثير من ظهور الجيوش النظامية التي عرفها السومريون.
الأدلة الأثرية تدعم العنف المبكر
على الرغم من هذا الجدل النظري، فإن الأدلة الأثرية الحديثة تميل بشكل متزايد إلى دعم فكرة أن العنف الجماعي كان موجودًا في مراحل مبكرة جدًا من تاريخ البشرية.
يُعد موقع جبل الصحابة (Jebel Sahaba) في السودان أحد أبرز الأمثلة، حيث يعود تاريخه إلى حوالي 13,000 عام، أي في فترة العصر الباليوليثي الأعلى (Upper Paleolithic Age).
تُظهر الرفات البشرية في هذا الموقع آثار عنف شديد (Severe violence) وموت جماعي، مما يشير إلى أن النزاعات المسلحة كانت سمة من سمات المجتمعات البشرية المبكرة قبل وقت طويل من ظهور الزراعة أو تشكيل الدول القومية.
العصر الحجري القديم الأعلى: ظهور الصراع المسلح المنظم
يمثل العصر الحجري القديم الأعلى (Upper Paleolithic Age)، الذي شهد انتشار جماعات الإنسان العاقل (Homo Sapiens) في أوروبا والشرق الأوسط، مرحلة حاسمة في دراسة أصول الحرب (Origins of war).
على الرغم من أن الأدلة على حروب واسعة النطاق نادرة مقارنة بما سيظهر في العصر البرونزي، إلا أن علماء الأنثروبولوجيا يؤكدون وجود أدلة متزايدة على العنف الشديد (Severe violence) والصراع القديم بين المجتمعات البشرية المبكرة.
تميزت هذه الحقبة بظهور ثقافات أثرية متقدمة، مثل الثقافة الأورينياسية (Aurignacian Culture) والثقافة البيريغوردية والثقافة الماجدلينيانية (Magdalenian Culture).
تعتمد دراسة النزاعات في هذه المجتمعات القبلية على تحليل أنماط الوفيات والإصابات في الهياكل العظمية التي تعود لجماعات الصيادين والجامعين (Hunter gatherer).
جبل السحابة: أقدم دليل على المذبحة
يُعد موقع جبل السحابة (Jebel Sahaba) في السودان أحد أبرز المواقع التي تقدم دليلاً قاطعاً على وجود صراع مسلح منظم يعود إلى نهاية العصر الحجري القديم (Paleolithic Age) وبداية العصر الحجري الوسيط (Mesolithic Age).
يضم هذا الموقع مقبرة جماعية تعود إلى حوالي 13,000 عام، مرتبطة بـ ثقافة قادان (Qadan Culture)، وتُظهر إصابات قاتلة بأسلحة حادة أو مقذوفة على أكثر من نصف المدفونين.
يشير هذا الاكتشاف إلى أن هذه لم تكن مجرد مناوشات فردية، بل كانت مذبحة أو هجوماً واسع النطاق، مما يجعله أحد أقدم الأمثلة المعروفة لـ حروب ما قبل التاريخ.
لقد كان الصراع على الأراضي والموارد هو الدافع الرئيسي وراء هذا النوع من النزاع القديم.
العوامل المحفزة للصراع
يؤكد علماء الأنثروبولوجيا الثقافية أن احتمالية نشوب الصراع الجماعي تزداد بشكل مباشر مع تغير الظروف البيئية والاجتماعية.
يشير الباحث ريموند سي. كيلي (Raymond C. Kelly) إلى أن التنافس على الموارد هو المحرك الأساسي. فعندما ارتفعت الكثافة السكانية (Population density) وقلت الموارد المتاحة، اشتد التنافس على الموارد (Resource competition) بين جماعات الصيادين والجامعين.
هذا التحول في الديناميكيات الاجتماعية، خاصة قرب نهاية العصر الحجري القديم، مهد الطريق لظهور حروب قبل التاريخ التي كانت تهدف إلى الاستيلاء على الأرض أو حماية مناطق الصيد.
خلاصة: معايير تحديد أول حرب في التاريخ
يجب أن يحدد الباحث المعيار الذي يستخدمه عند محاولة الإجابة عن سؤال "متى بدأت الحرب؟". يختلف تعريف "الحرب" بين المؤرخين وعلماء الأنثروبولوجيا، خاصة عند دراسة أصول الحرب في المجتمعات البشرية المبكرة.
أولاً: الصراع ما قبل التاريخ (Prehistoric Warfare)
إذا كان المعيار هو أقدم دليل أثري قاطع على عنف شديد أو مذبحة جماعية ناتجة عن صراع قديم بين مجموعات بشرية متنافسة، فإن الإجابة تعود إلى العصر الحجري القديم المتأخر (Paleolithic Age).
هنا يبرز موقع جبل الصحابة في السودان، الذي يعود تاريخه إلى ما قبل 12000 عام، كأحد الأمثلة البارزة على الصراع ما قبل التاريخ. هذا العنف يشير إلى نزاع مسلح بين مجتمعات الصيادين والجامعين (Hunter gatherer) المنتمية إلى ثقافة القادان (Qadan Culture).
تؤكد هذه الأدلة أن العنف المنظم كان سمة موجودة بين مجتمعات الإنسان العاقل (Homo Sapiens) التي كانت تعيش في كثافة سكانية متزايدة وتتنافس على الموارد.
ثانياً: الحرب المنظمة والدولة (The Organized State War)
أما إذا كان المعيار هو أول صراع موثق بوجود جيش نظامي (Standing army) ودولة منظمة، فإن الإجابة تنتقل إلى العصر البرونزي.
هذه هي الصراعات التاريخية التي وثقها السومريون في بلاد ما بين النهرين حوالي 2700 قبل الميلاد، والتي كانت غالباً حروب مستوطنات (Settlement wars) ناتجة عن التنافس على الأراضي الزراعية والموارد.
في كلتا الحالتين، تظل دراسة الحروب في هذه الفترات المبكرة تذكيراً بأن النزاع المسلح كان قوة تشكيلية رئيسية في تاريخ البشرية، حتى قبل أن نتعلم الكتابة.
الأسئلة الشائعة حول أصول الحرب
في سياق محاولة تحديد أول حرب في التاريخ، تبرز مجموعة من الأسئلة الجوهرية التي تشغل بال الباحثين والمؤرخين. تعتمد الإجابة على هذه الأسئلة على الأدلة الأثرية ومقارنتها بالتعريفات الحديثة للحرب المنظمة.
متى ظهرت أولى الأدلة على العنف الشديد والصراع المسلح؟
إن أقدم الأدلة الأثرية القاطعة على العنف الجماعي المنظم تعود إلى نهاية العصر الحجري القديم (Paleolithic Age) وبداية العصر الحجري المتوسط (Mesolithic Age). هذا العنف يختلف عن مجرد حوادث القتل الفردي.
أحد أبرز المواقع التي تشهد على ذلك هو موقع جبل السحابة (Jebel Sahaba) في شمال السودان. يعود تاريخ هذا الموقع إلى ما يقرب من 13,000 إلى 14,000 عام، ويحتوي على مقبرة جماعية تضم رفات عشرات الأفراد من ثقافة القادان (Qadan Culture) الذين ظهرت عليهم إصابات مميتة ناجمة عن صراع مسلح مكثف، مما يشير إلى عنف شديد أو غارات متكررة.
هذه الاكتشافات تدعم فرضية أن المجتمعات البشرية المبكرة، وتحديداً مجتمعات الإنسان العاقل (Homo Sapiens) في تلك الفترة الانتقالية، كانت منخرطة في شكل من أشكال الصراع الجماعي، غالبًا بسبب تنافس الموارد (Resource competition) أو الصراع على مناطق الصيد.
هل خاضت مجتمعات الصيادين والجامعين (Hunter gatherer) حروبًا منظمة؟
هذا سؤال يمثل نقطة خلاف رئيسية بين علماء الأنثروبولوجيا (Anthropologists). يعتقد بعض الباحثين، مثل ريموند سي. كيلي (Raymond C. Kelly)، أن الحرب المنظمة كانت نادرة أو غائبة تقريبًا في مجتمعات الصيادين والجامعين الحقيقية التي سبقت الاستيطان الزراعي.
تشير هذه النظرة إلى أن الصراعات في العصر الحجري القديم (Paleolithic Era) كانت غالبًا نزاعات انتقامية أو غارات صغيرة (Raiding neighbors)، وليست حروبًا واسعة النطاق تتضمن جيوشًا نظامية أو قتالاً من أجل الاستيلاء على الأراضي بشكل دائم. المجتمعات القبلية (Tribal societies) المتنقلة لم تكن لديها حوافز الاستيطان الكبيرة التي ظهرت لاحقاً.
على النقيض، يرى باحثون آخرون أن العنف كان جزءًا فطريًا من المجتمعات البشرية المبكرة منذ ظهور الإنسان المنتصب (Homo Erectus)، مدعومين بأدلة مثل موقع ناتاروك (Nataruk) في كينيا، والذي يعود إلى العصر الحجري المتوسط، ويظهر مذبحة جماعية لأفراد من الصيادين والجامعين.
متى بدأت الحروب التي تتفق مع التعريف التاريخي الحديث؟
إذا عرفنا "الحرب" بأنها صراع واسع النطاق ومنظم يضم جيوشًا نظامية (Standing army)، فإجابتنا تقودنا إلى العصر البرونزي (The Bronze Age) ونشأة أولى الحضارات الحضرية.
تُعد حضارة السومريون (Sumerians) في بلاد ما بين النهرين أول من وثق صراعاتهم بشكل مفصل، حيث ظهرت لديهم هياكل عسكرية واضحة. كانت هذه الصراعات، التي بدأت حوالي الألفية الرابعة قبل الميلاد، مدفوعة بشكل أساسي بالصراع على الأراضي الزراعية والمياه، مما أدى إلى ما يعرف بـ صراعات الاستيطان (Settlement wars) أو حروب المدن-الدول.
هنا يصبح التعريف واضحًا: الحروب قبل التاريخ (Prehistoric warfare) كانت نزاعات قبلية، أما الحروب التاريخية (Historical Wars) فبدأت مع السومريين، الذين طوروا الجيوش النظامية واستخدموا القتال كوسيلة منهجية لـ الاستيلاء على الأراضي (Seizing land) وتعزيز الكثافة السكانية (Population density) المدنية.
أسئلة متكررة حول أصول الصراع البشري
هل شارك الإنسان المنتصب (Homo Erectus) في حروب ما قبل التاريخ؟
لا تدعم الأدلة الأثرية وجود حروب منظمة بالمعنى الحديث ضمن مجتمعات الإنسان المنتصب (Homo Erectus). هذه المجتمعات عاشت في العصر الحجري القديم وكانت صغيرة وتعتمد على نمط الصيادين والجامعين.
قلة الكثافة السكانية وطبيعة حياتهم المتنقلة خففت من دوافع التنافس على الموارد التي عادة ما تؤدي إلى النزاع المسلح. غالبية الأدلة الموثقة على العنف الشديد والصراعات واسعة النطاق تعود إلى ظهور الإنسان العاقل (Homo Sapiens).
ما هي أول حضارة أسست جيشاً نظامياً؟
تعتبر حضارة السومريين في بلاد ما بين النهرين الرائدة في هذا المجال. لقد كانوا أول من وثق وجود جيش نظامي ومؤسسة عسكرية منظمة، وذلك في الفترة المبكرة من العصر البرونزي.
يظهر هذا التنظيم العسكري بوضوح في سجلاتهم التاريخية، مثل مسلة النسور، التي توثق تفاصيل النزاع القديم بين مدينتي لجش وأوما، مما يشير إلى بدايات حروب الاستيطان المنظمة.
ما الأهمية التاريخية لموقع جبل الصحابة؟
يعد موقع جبل الصحابة (Jebel Sahaba) في السودان دليلاً حاسماً في دراسة الحروب ما قبل التاريخية. إنه يمثل أقدم دليل أثري موثق لمذبحة جماعية منظمة، ويعود تاريخه إلى حوالي 13 ألف سنة مضت.
يشير هذا الاكتشاف إلى وجود صراع واسع النطاق بين مجموعات من الصيادين والجامعين، تحديداً بين النطوفيين والسكان التابعين لثقافة قعدان (Qadan Culture)، قبل آلاف السنين من ظهور الحضارات الكبرى. هذا الموقع يسلط الضوء على أصول الحرب في العصر الحجري المتأخر.
هل توجد مجتمعات قبلية مسالمة تماماً؟
يشير بعض علماء الأنثروبولوجيا الثقافية إلى وجود مجتمعات قبلية ذات مستويات عنف منخفضة للغاية، مثل جماعات البوشمن في صحراء كالهاري.
ومع ذلك، يجادل باحثون بارزون مثل ريموند سي كيلي (Raymond C. Kelly) بأن جميع المجتمعات القبلية تقريبًا لديها آليات داخلية للعنف الجماعي أو الإغارة على الجيران. دراسة الحروب تشير إلى أن العنف الجماعي هو سمة متغيرة، وليس غائبة تمامًا، في المجتمعات البشرية المبكرة.